وارث اللعنه وحارث النور ( دين سمهر )
كانت الساعة قد تجاوزت السابعة صباحًا بقليل،
لكن شقة الحاجة "زينب" في حي شبرا كانت مستيقظة منذ الفجر.
ليست الساعة هي ما يوقظ هذا البيت، بل هي حركة الحاجة زينب نفسها؛ تلك الحركة التي تشبه طقسًا مقدسًا لا يتغير. تبدأ بصوت خطواتها الخفيفة على البلاط القديم، ثم أزيز إبريق القهوة النحاسي وهو يمتلئ بالماء، وأخيرًا، رائحة البن المحروق قليلاً التي تتسلل من تحت أبواب الغرف، معلنةً أن يومًا جديدًا قد بدأ.في الغرفة المطلة على الشارع، تململ "علي" في فراشه.
علي، الابن الأكبر، المحاسب في شركة صغيرة، والذي يحمل هموم العالم على كتفيه النحيلين. فتح عينيه على صوت بائع الفول الذي يجر عربته في الشارع صارخًا: "يا بتاع الزبدة... يا فول!". ابتسم ابتسامة خفيفة. بعض الأشياء لا تتغير أبدًا،
وهذا الصوت كان أحدها."علي... قوم يا حبيبي عشان تفطر، القهوة جهزت."صوت أمه جاء من الصالة، دافئًا كقرص الشمس الذي بدأت خيوطه الذهبية تتسلل من النافذة الخشبية. نهض علي، ارتدى "جلابية" بيضاء بسيطة، وخرج ليجد والدته قد أعدت "الطبلية" الصغيرة. عليها أطباق الجبن الأبيض بالطماطم، والفول المدمس الذي تفوح منه رائحة الزيت الحار والكمون، وأرغفة الخبز البلدي الساخنة التي اشترتها للتو من الفرن المجاور.
"صباح الخير يا ست الكل." قالها علي وهو يقبّل يدها.ر
دت زينب بابتسامتها المعتادة التي تخفي خلفها تعب السنين: "صباح النور يا قلب أمك. اقعد افطر، زمان إيمان صحيت
."لم تكد تنهي جملتها حتى خرجت "إيمان" من غرفتها الأخرى، تفرك عينيها بنعاس.
إيمان، طالبة السنة النهائية في كلية الآداب، حالمة، وفوضوية، وعنيدة. شعرها الكثيف مربوط بإهمال، وترتدي بيجامة عليها رسوم كرتونية باهتة."صباح الخير يا جماعة... إيه ده؟ قهوة من غيري؟ دي خيانة." قالتها وهي تجلس على "الطبلية" وتخطف قطعة جبن.ضحكت زينب: "بعملّك كوباية الشاي بلبن بتاعتك يا أستاذة. وبعدين قومي اغسلي وشك الأول."جلس الثلاثة حول "الطبلية".
لم تكن مجرد وجبة إفطار، بل كانت لحظة مقدسة. لحظة يتشاركون فيها ليس فقط الطعام، بل نظرات سريعة، وضحكات خافتة، وصمتًا مريحًا يفهمونه جميعًا.
كان علي يفكر في قسطٍ جديد يجب دفعه، وإيمان تفكر في مشروع تخرجها المعقد، أما الحاجة زينب، فكانت تفكر فيهما فقط. كانت تراقب ولديها بعينين تملؤهما المحبة والقلق، وتدعو في سرها أن يحفظهما الله من كل سوء.في هذا البيت الصغير،
لم تكن هناك ثروات أو ممتلكات فاخرة. كانت ثروتهم الحقيقية هي هذه اللحظات، رائحة القهوة، دفء الشمس، وصوت بعضهم البعض الذي يملأ المكان بالحياة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق